المقريزي
256
المقفى الكبير
مولانا ، من كوني قد خنته في المال والأهل . وما كان واللّه العظيم ذلك منّي يوما قطّ ! ثمّ مع ذلك معاداة الأهل جميعهم ، والأجناد ، وأرباب الطيالس والأقلام ، وهو يعطيني كلّ رقعة تصل إليه منهم ، وما سمع كلام أحد منهم فيّ . فعند ذلك قال له الخليفة : فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته ، إيش يكون فعلي أنا ؟ فقال المأمون : يعرّفني المولى ما يأمر به ، فأمتثله بشرط أن لا يكون عليه زائدا . [ طلبات الخليفة إلى المأمون ] فأوّل ما ابتدأ به الخليفة أن قال : أريد الأموال لا تجبى إلّا بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز والثغور إلّا إليه ، ولا تفرق إلّا منه ، وتكون أسمطة الأعياد فيه . ويوسّع في رواتب القصور من كلّ صنف ، وزيادة رسم المنديل الذي برسم الكمّ . فقال المأمون : سمعا وطاعة ! أمّا الكسوات والجبايات والأسمطة فما تكون إلّا بالقصر . وأمّا توسعة الرواتب فما ثمّ من يخالف الأمر . وأمّا الزيادة برسم منديل الكمّ ، فقد كان الرسم في كلّ يوم ثلاثين دينارا [ وس ] تكون في كلّ يوم مائة دينار . ومولانا - سلام اللّه عليه - يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الركوبات وأسمطة الأعياد وغيرها في سائر الأيّام . [ شروط المأمون على الخليفة ] ففرح الخليفة وسرّ بذلك . فقال المأمون : أريد بهذا خطّ أمير المؤمنين ، ويقسم لي فيه بآبائه الطاهرين أن لا يلتفت لحاسد ولا مبغض ، ومهما ذكر عنّي يطلعني عليه ، ولا يأمرني بشيء سرّا ولا جهرا يكون فيه ذهاب نفسي وانحطاط قدري ، وتكون هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتي . فإذا توفّيت تكون لأولادي ولمن أخلّفه بعدي . فحضرت الدواة وكتب ذلك جميعه وأشهد اللّه في آخرها على نفسه . فعند ما حصل الخطّ بيد المأمون ، وقف وقبّل الأرض وجعله على رأسه . وكان الخطّ بالأيمان في نسختين ، إحداهما في قصبة فضّة . فلمّا قبض على المأمون أنفذ الخليفة [ ي ] طلب الأيمان فنفّذ إليه الذي في القصبة فحرقها لوقتها . قال ابن المأمون « 1 » : وبقيت النسخة الأخرى عندي ، فعدمتا في الحركات التي جرت . وعاد المأمون إلى مجلسه ، وأمر بتفرقة كسوة العيد والهبات وجملة العين ثلاثة آلاف وثلاثمائة [ وسبعون ] دينارا ، ومن الكسوات مائة قطعة وسبع قطع برسم الأمراء المطوّقين [ 206 أ ] والأستاذين المحنّكين ، وكاتب [ ال ] دست ، ومتولّي حجبة الباب وغيرهم . وعدّة ما ذبح في ثلاثة أيّام النحر وفي عيد الغدير ألفان وخمسمائة وواحد وستّون رأسا ، منها : نوق : مائة وسبعة عشر ، وبقر : أربعة وعشرون . وجاموس : عشرون . هذا ما ينحره الخليفة ويذبحه بيده في مصلّى العيد ، وفي المنحر وباب الساباط « 2 » ويذبح الجزّارون من الكباش ألفين وأربعمائة رأس . والذي أنفق على الأسمطة في هذه الأيام خارجا عمّا يعمل بالدار المأمونيّة من الأسمطة ، وخارجا عن القصور الحلوى والقصور المنفوخ التي تصنع بدار الفطرة ألف وثلاثمائة وستّة وعشرون دينارا ، ومن السكّر برسم القصور والقطع المنفوخ أربعة وعشرون قنطارا ، منها عن قصرين في أوّل يوم خاصّة اثنا عشر قنطارا ، و [ عن ] المنفوخ عن الثلاثة الأيام اثنا عشر قنطارا .
--> ( 1 ) أخبار مصر 23 . ( 2 ) المصلّى وباب الساباط والمنحر : شرحها نائر أخبار مصر لابن المأمون 25 هوامش 3 - 5 ، والدار المأمونيّة ص 26 هامش 1 - 2 .